كتب المهنس وليد الكردي بتاريخ 4 فبرلير 2026 في الآونة الأخيرة، برز تساؤل جوهري يتناول واقع غزة في ظل المستجدات الإقليمية والدولية، مع تركيز خاص على موقف تركيا وتوجهاتها الحالية في المنطقة. ينطلق هذا التساؤل من الاهتمام الواسع بالشأن الفلسطيني، ويعكس حالة الترقب تجاه التحولات الإقليمية والدولية وتأثيرها على القضية الفلسطينية بشكل عام وغزة بشكل خاص. يلاحظ العديد من المتابعين وجود حالة من الخذلان أو الابتعاد التركي عن دعم غزة، حتى أن البعض يصل إلى اتهام تركيا بأنها تكتفي بالتصريحات دون اتخاذ إجراءات فعلية. ويأتي ذلك في وقت تبدو فيه أنقرة أكثر انشغالاً بالملف السوري، على حساب الأولوية الفلسطينية، مع تركيز واضح على مصالحها الذاتية. من يطرح هذا السؤال من باب اتهام تركيا وصناع القرار في المنطقة بالتخلي عن غزة، قد يكون اعتمد في جزء كبير من طرحه على قراءة عاطفية للواقع السياسي العالمي والإقليمي، خاصة مع استمرار الجرح المؤلم الذي أصاب غزة وأهلها. ولم يتم التعمق في تحليل الوقائع بدقة وواقعية وشفافية. من جانب آخر، قد يكون جزء كبير من ذلك ناتجًا عن غياب الرؤى والخطط الاستراتيجية الواقعية لدى صناع القرار الفلسطينيين سابقًا، إذ كانت برامجهم تسير بمعزل عمّا يجري عالميًا وإقليميًا، ووجدوا أنفسهم في حالة من الحيرة والشعور بالألم والأسى في ظل الصمود الأسطوري لغزة وأهلها وخذلان البعض لها . في هذه الورقة، سنحاول تبيان قراءتنا الواقعية لحقيقة الموقف التركي ضمن استراتيجيه واضحه عملت تركيا عليها ، وأن نطرح رؤية استشرافية في المنظور القريب للقضية الفلسطينية. بناءً على ما سبق، يطرح السؤال الأهم: ما هو السيناريو القادم لغزة خصوصاً، والقضية الفلسطينية عموماً؟ وما هو الموقف التركي الحقيقي حيال ذلك، انطلاقاً من عام 2026 الذي يتوقع أن يكون عاماً حاسماً في هذا السياق؟ إن الإجابة على هذا التساؤل تتطلب متابعة دقيقة للتغيرات الجوهرية في المواقف السياسية وموازين القوى، بما ينعكس على مستقبل غزة والمنطقة بأسرها. للإجابة عن هذا السؤال، ونظرًا لضيق المساحة المتاحة في هذا المقال وعدم إمكانية التطرق إلى كافة التفاصيل، سيتم التركيز بشكل رئيسي على الملف السوري لما يحمله من أهمية استراتيجية كبرى بالنسبة لتركيا. ذلك أن الملف السوري يرتبط بشكل وثيق بمصالح تركيا الاستراتيجية، كما أن له علاقة مستقبلية ومهمة بالملف الفلسطيني، ما يجعله محورًا أساسيًا في هذه المرحلة. أما فيما يتعلق بالملف المصري، فسوف يتم ترك مناقشته في هذا المقال لتناوله في فرصة أخرى إضافة إلى تطور العلاقات التركية الباكستانية السعودية. أولويات تركيا في المرحلة المقبلة: في اجتماع مجلس الأمن القومي التركي في يناير 2026، حددت تركيا أولوياتها الأمنية والاستراتيجية للفترة القادمة، مع تركيز واضح على قضايا إقليمية تمس أمنها القومي ومنها مكافحة الإرهاب وتعزيز الأمن الداخلي، الملف السوري، التحديات في قطاع غزة، أمن البحر الأسود، توسيع الدور الإقليمي نحو الغرب. لم يناقش المجلس قضايا كفنزويلا أو الصين كونها الآن من ضمن أولويات الولايات المتحدة الأمريكية وليست أولوية تركية مع أهميتها كما سنوضح في هذه الورقة. العلاقة الأميركية-التركية وإدارة التوازنات العلاقة الأميركية-التركية اليوم تقوم على منطق المنفعة المتبادلة لا التحالف الشامل مع الولايات المتحدة، خاصة في رؤية ترمب، تريد تقليل استنزافها في الشرق الأوسط للتركيز على الصين، لذلك تعتمد على دول قوية ومتماسكة لإدارة التوازنات الإقليمية. تركيا تُعد خياراً مثالياً نسبياً لما تملكه من قوة عسكرية، قرار سياسي مركزي، موقع جيوسياسي فريد، وقدرة على التعامل مع تعقيدات المنطقة. تركيا ليست دولة تابعة بل فاعل مستقل؛ عضو في الناتو، تمتلك صناعات عسكرية متقدمة، وتتحكم بمفاصل حساسة من سوريا إلى البحر الأسود. هذا يجعلها شريكاً عملياً لواشنطن في “إدارة الفوضى” بدل التدخل الأميركي المباشر، مع قبول أميركي بدور تركي أوسع طالما لا يضر بالمصالح الأساسية للغرب. هذا التحالف تصطدم به عدة عوائق: غياب الثقة المتبادلة مع جزء من اليات صنع القرار في امريكا ، الخلاف حول الأكراد وإسرائيل، استقلال القرار التركي ورغبته في التوازن مع روسيا والصين، ورفض أنقرة أن تكون تبعاً. الدور الإسرائيلي في التوازنات الإقليمية في الرؤية الأميركية، وخصوصاً ضمن منطق ترمب، لا تستطيع إسرائيل لعب دور المدير الإقليمي في الشرق الأوسط رغم تفوقها العسكري والتكنولوجي. فإسرائيل دولة صدام وردع، محدودة جغرافياً ومعزولة عن محيطها، وغير قادرة على إدارة فضاءات واسعة أو التعامل مع دول ومجتمعات مفككة دون إنتاج صراعات دائمة. دورها يبقى أمنياً وسياسياً لحماية المصالح الأميركية، لا لإدارة توازنات المنطقة. لا يمكن اعتبار تركيا بديلاً عن إسرائيل، لكنها الشريك الوظيفي الأهم للولايات المتحدة في إدارة التوازنات الإقليمية، بما يسمح لواشنطن بإعادة ترتيب أولوياتها كقوة عظمى في مواجهة الصين وروسيا وتحجيم أوروبا. تمتلك تركيا قوة عسكرية وصناعية وعمقاً جغرافياً وشبكة نفوذ تمتد من الشرق الأوسط والبحر الأسود إلى آسيا الوسطى، مع تحالفات فاعلة مع باكستان وماليزيا وإندونيسيا، وتموضع مؤثر في ليبيا والسودان والصومال وأذربيجان وقطر والسعودية. هذا الامتداد يمكّنها من احتواء الفوضى دون تدخل أميركي مباشر، ما يجعلها ركيزة لا غنى عنها في الحسابات الاستراتيجية الأميركية. ملف "قسد" والتوافق التركي الأمريكي وما أكد وجود هذا التحالف التركي الأميركي الجديد عملياَ، إنهاء تركيا وسوريا ملف "قسد" قوات سورية الديمقراطية دون تدخل خارجي أميركي أو إسرائيلي على الخصوص، وتسعى سوريا حالياً لتوحيد أراضيها بدعم أميركي وتوافق تركي، مع التركيز على إغلاق ملف الدروز في السويداء والجنوب السوري، فإن السؤال اليوم يركز على موقف إسرائيل وأمريكا من هذا التطور القادم في السويداء والجنوب السوري؟ موقف إسرائيل من تطورات السويداء أغلب الظن أن إسرائيل لن تترك الأمر يمر بسهولة، وقد تتدخل للحفاظ على نفوذها في الجنوب السوري. الدروز في السويداء حوالي 500,000 شخص، يشكلون أغلبية في المحافظة ويُعتبرون "امتدادًا" للدروز في إسرائيل (حوالي 150,000، يخدمون في الجيش الإسرائيلي). إسرائيل ترى في حمايتهم فرصة أمنية لإنشاء منطقة عازلة جنوب دمشق، مما يمنع تهديدات محتملة من قوات عسكرية أو جماعات أخرى. في 2025، تدخلت إسرائيل عسكريًا في السويداء، شنت غارات جوية على قوات الحكومة السورية لـ"حماية الدروز" أثناء اشتباكات مع قبائل بدوية، وأعلن نتنياهو سياسة "نزع السلاح جنوب دمشق" و"حماية الدروز". هذا التدخل لم يكن مجرد دفاعي؛ بل كان يهدف إلى تعزيز "مناطق عازلة" في السويداء ودرعا والقنيطرة، وفقًا لتقارير إسرائيلية وتركية. المتوقع: ان إسرائيل قد تستمر في الغارات أو الدعم السري للدروز لفرض "فيدرالية" أو استقلالية جزئية في الجنوب، مما يعيق التوحيد. هذا يتعارض مع موقف تركيا التي تدعم حكومة مركزية قوية في دمشق. إذا تدخلت تركيا عسكريًا لدعم سوريا، قد يتصاعد التوتر بين أنقرة وتل أبيب. الموقف الأميركي من قضية الدروز منذ 2014، دعمت الولايات المتحدة، ومعها فرنسا وإسرائيل بدرجة أقل، قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ضد تنظيم داعش عبر التسليح والتدريب والدعم اللوجستي الذي بلغت قيمته مليارات الدولارات. تلقت قسد أيضًا دعماً للبنية التحتية وموّلت أنفاقًا وتحصينات من عائدات النفط بدعم أمريكي غير مباشر. شمال شرق سوريا، الغني بالنفط والزراعة والموقع الاستراتيجي، استعادت الحكومة السورية معظم مناطق قسد بعد هجوم سريع، وتم توقيع اتفاق ينهي الهياكل المستقلة لقسد. لم تتدخل واشنطن عسكرياً بل رعت الاتفاق وأعلنت انتهاء دور قسد في محاربة داعش، بينما ركزت إدارة ترامب على الانسحاب من الشرق الأوسط لصالح مواجهة الصين. تركيا استفادت بحصولها على أغلب مطالبها وإنهاء حزب العمال على حدودها . يتضح أن الدعم الأمريكي لقسد كان مؤقتاً وتكتيكياً، وعندما تغيرت الظروف تخلت عنه بسهولة. استعادت دمشق السيطرة المركزية، وبقي للولايات المتحدة نفوذ دبلوماسي محدود في المنطقة. وعليه، أمريكا قد تتخلى عن الدروز إذا ساعد ذلك في تحقيق استقرار سريع في الشرق الأوسط تماما كما تخلت عن قسد، مما يسمح لها بالتركيز على الصين. السياسة الأمريكية تحت ترامب تركز على "أمريكا أولاً"، مع تقليل الالتزامات في الشرق الأوسط لمواجهة الصين. أمريكا دعمت الحكومة السورية الجديدة بقيادة أحمد الشرع اقتصاديًا وعسكريًا، ورعت اتفاقات لدمج قوات كردية في الجيش السوري، مما يشير إلى تفضيل الاستقرار على حماية الأقليات إذا تعارض ذلك (وقد يتجلى ذالك أكثر في اليمن والسودان والصومال خلال الأشهر القادمة). في سياق التركيز على الصين، أمريكا ترى في استقرار سوريا (بتوافق تركي-سوري) فرصة لتقليل التزاماتها، كما في رفع عقوبات عن سوريا ودعم اندماج الأقليات تحت سيطرة دمشق. إذا كان إغلاق ملف الدروز جزءًا من صفقة أوسع، فأمريكا قد تقبل به، خاصة إذا ضغطت تركيا (حليفها في الناتو). المتوقع أن أمريكا لن تدعم تمردًا درزيًا إذا هدد الاستقرار، لكنها قد تضغط على سوريا لضمان حقوق الأقليات لتجنب تصعيد إسرائيلي. إذا فشل ذلك، قد يؤدي إلى "تجاهل" أمريكي، كما حدث مع قسد، مما يعزز رؤيتها لـ"التفرغ للصين". وهنا يبرز السؤال الأكبر والأهم: ماذا لو تدخلت إسرائيل وتركيا عسكرياً، فهل ستتخلى أمريكا عن إسرائيل أم تتخلى عن مشروعها الأهم وهو تقليل استنزافها في الشرق الأوسط للتركيز على الصين والذي ستستغله الصين وروسيا وأوروبا حتماً؟ وعليه، امام امريكا الخيارات الثلاث التاليه : • الدفع بتوقيع اتفاقات تهدئة وسلام دائم وعادل في المنطقة، وهذا بالتأكيد يخدم القضية الفلسطينية ويعزز الاستقرار الإقليمي • التخلي عن إسرائيل، ما قد يؤدي إلى تفككها كما حدث مع قسد سابقاَ والسويداء لاحقاً، وهو ما ينهي المشروع الإسرائيلي، وهذا قد يدفع أمريكا نفسها إلى صراعات داخلية عميقه تضعف مكانتها وتؤثر على دورها كقوة عالمية او حتى انفكاك ولاياتها . • تدخل أمريكا مع إسرائيل في حروب وصراعات في المنطقة، وهو خيار قد تستغله الصين وروسيا، وقد استعدت تركيا وسوريا لمواجهة هذه التطورات وستعززها . وفي هذه الحالة، ستجد إسرائيل نفسها مضطرة لمواجهة سوريا بعمقها الجغرافي وموقعها الاستراتيجي، واسلحتها التركيه المطورة بالإضافة إلى مجاهدي الأمة من حولها، وانفلات الحدود الهادئه ولن تبقى غزة حينها بمفردها في الميدان..... وهنا نقول للمعنين بالقرار الفلسطيني : بضروره اعاده التموضع وتبني استراتيجيه وبرامج متوازبه ومناسبه ، ضمن الخيارات الثلاث المحتمله
ولله الامر من قبل ومن بعد.
والله أعلم @walid kurdi
