الفك بعد التركيب
2 Jan 2025
سلسلة:الجذور
الترتيب 26 في السلسلة

الفك بعد التركيب

طوال فترة الخلافة الإسلامية لم تهدأ المؤامرات يومًا، منذ تولي أول خليفة إلى يومنا الحالي. بل على العكس، زادت الوتيرة وتطورت الأساليب والعلوم الاستخباراتية بشكل مذهل.

من المعلوم أن الدولة العثمانية سقطت رسميا عام (1924)، سبقها حالة من الموت السريري قبل ذلك بسنوات عديدة، حيث تمكن الغرب من التغلغل بشكل عميق داخل اغلب مفاصل الدولة بسبب ضعف الاستخبارات الداخلية. حافظ الغرب على حالة الموت السريري هذه لسنوات عديدة وأمد الدولة الميتة بأكسجين البقاء بعد أن دمرها. لكن لماذا؟ السقوط أو الانهيار المباشر وقتها لم يكن في مصلحتهم لأسباب عديدة منها الاستراتيجية، مثل الخوف من حجم الحصة الروسية. ومنها ما كان لزيادة سياسات الشرخ بين العرب والأتراك من خلال تعيين جنرالات أتراك خونة في بلاد العرب لتنفيذ هذه السياسات. بالإضافة إلى تجهيز "البطل المغوار" أتاتورك كمنقذ. وأسباب أخرى متعددة.... لكن ربما يكون أحد أهم الأسباب هو التحضير الشامل لإنشاء الكيان في أرض فلسطين.

إذا كنت تعتقد أن إنشاء هذا الكيان كان بدافع حماية يهود العالم أو لتعويضهم عن معاناة الحرب العالمية الثانية وغيرها من حكايات الاضطهاد، فأنت مخطئ تمامًا. وإن كنت تظن أن الهدف كان التخلص من اليهود عبر إرسالهم إلى هنا، فأنت أيضًا على خطأ. وحتى إذا تصورت أن الدافع وراء ذلك ديني بحت، فأنت للأسف وقعت فريسة لآلة الإعلام العملاقة التي تعمل بلا هوادة على غسل العقول وتوجيه الأفكار. الغرب، إذا أراد التخلص من أحد، لا يلجأ إلى إنفاق مليارات الدولارات عليه. لديه أسلوب واحد: الإبادة!!

قد يُدهشك أيضا معرفة أن قادة الكيان أنفسهم يحملون توجهات علمانية ولا يؤمنون بوجود إله، وهذا واضح في مذكراتهم أو في شهادات المقربين منهم. أما فيما يتعلق بالهجرة إلى الكيان، فقد كشفت تقارير إخبارية حديثة أن 72% من المهاجرين إليه ليسوا من أصول يهودية، بل ينتمون إلى ديانات وخلفيات متعددة. هذا الأمر يؤكد بشكل قاطع أن العامل الديني لم يعد يمثل الأساس في هذا المشروع، بل يتم استغلاله كذريعة لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية.

بعد أن أسقط الغرب آخر خلافة إسلامية وقسّم العالم الإسلامي باتفاقية سايكس بيكو، سعى إلى إنشاء قاعدة متقدمة عسكريًا تخدم مصالحه، وتوفر الحماية والرعاية لوكلائه المحليين "كلاب الحراسة". ذلك لأن ولاء هؤلاء الوكلاء لا يمكن ضمانه بشكل دائم دون رقابة وسيطرة مباشرة. الوكلاء المحليين بحاجة إلى: - تأمين دعم كامل لهم، بما يشمل الحماية من التهديدات الخارجية والداخلية، لضمان استقرارهم واستمرارهم في أداء دورهم. - في الوقت ذاته، يجب فرض رقابة صارمة وردعهم فورًا إذا أظهروا أي نية للتمرد أو السعي للحصول على دعم من جهة أخرى تقدم عرضًا أفضل. لذلك، ليس من المستغرب أن يكون أكثر من يخشى على بقاء الكيان هم هؤلاء الوكلاء أنفسهم! فهم يقدمون له الدعم بشتى الطرق، سواء في العلن أو في الخفاء، لضمان استمراره كجزء لا يتجزأ من مصالحهم المشتركة.

بالإضافة للمهمة الأساسية المتمثلة برعاية كبار الخونة كان من المفترض أن يقوم الكيان بإبادة أهل المنطقة بالكامل، بدءًا من فلسطين وانتهاءً بالوطن العربي وربما الدول المحيطة. لكن الكيان فشل، رغم الدعم الغربي الهائل، سواء كان دعمًا ماليًا، عسكريًا أو سياسيًا. وكخطة احتياطية، تم إنشاء مشروع قسد، الذي يبدو أنه في طريقه إلى الفشل أيضًا.

للدعم المالي أشكال عديدة اما بشكل مباشر. او عبر فتح أفرع لشركات عالمية على أرض الكيان لتبرير المدخول الاقتصادي الكبير(خاصة شركات التكنولوجيا). كذلك إجبار الشركات العالمية على التبرع والدعم. ألم تسأل نفسك مثلًا: لماذا تدعم شركة مشروبات غازية شهيرة أو وجبات سريعة أو حتى منظفات الكيان بمبالغ ضخمة؟ ما مصلحتها في هذا؟ حتى ألمانيا تجبر على دفع المعلوم تحت ستار التعويضات...والقائمة تطول.

في السياسة لايوجد شيء مقابل لاشيء، اذا ماهو المقابل؟ مشروع الكيان كلف ترليونات الدولارات، لأجل ماذا؟ المشروع بدأ بريطانيًا فرنسيًا، لكن أمريكا انتزعته منهما بالقوة. وهي المستفيد الأول منه اليوم، فيما يتبقى الفتات لباقي دول الغرب.

عوائد المشروع: اولا ضمان ولاء كلاب الحراسة، حمايتهم، تهديدهم. التحكم بأسعار النفط والطاقة وجني الأرباح الطائلة من وراء ذلك لدرجة انه تم ربط الدولار بالبترول. التحكم في التجارة العالمية عبر الممرات البرية والمائية وخاصة قناة السويس.

ماذا لو انسحبت أمريكا من المنطقة وتخلت عن الكيان؟ سوف يستولي عليها فورا اما الروس او الصينيين او كليهما معا. ما المشكلة؟ استيلاء هذه الدول على المنطقة يعني امتلاكهن لنفس أدوات القوة التي تملكها أمريكا اليوم... بل زد على ذلك حجم الخزان البشري الهائل المتعطش للانتقام من الغرب... هذا الخزان يمكن توجيهه لحرب طويلة مع الغرب. أضف إلى ذلك أن أمريكا تعلم انه في حال قررت الانكفاء الذاتي والعودة إلى داخل حدودها والتخلي عن العالم كله خيره وشره، فإن العالم نفسه ومن ضمنهم أوربا لن يدعها وشانها بل سوف يصل إليها غازيا لاستعادة الثروات المنهوبة طيلة السنين السابقة... قرأتُ ذات مرة اقتراحًا لأحد المفكريين الأمريكيين ينص على إغلاق مضيق جبل طارق كإجراء دفاعي في حال قررت الولايات المتحدة الانسحاب من كامل المنطقة. هذا يوضح مدى الأهمية الاستراتيجية التي توليها أمريكا لمنطقتنا، مما يجعل من الضروري، إبقاء سيطرتها عليها وتأمين الحماية والردع في آن واحد لصالحها وصالح أتباعها في كافة أنحاء العالم .

مصير الحكام الحاليين مرتبط ارتباطًا وثيقًا بمصير الكيان. لكن، ماذا استجد اليوم؟

لأول مرة، يواجه الكيان خطرًا حقيقيا يتمثل بالتالي: وصول دعم فعلي لجماعة غزة، مما يعزز قوتهم وتأثيرهم. تحرر تركيا من السيطرة الغربية وانضمامها إلى الحلف الشرقي. ظهور لاعب جديد في المنطقة، وهو حكومة الشرع في سوريا، التي تُعدّ تهديدًا متزايدًا. تراجع مشروع "قسد"، الذي يبدو أنه مهدد بالفشل أيضًا.

السيناريوهات المتاحة أمام أمريكا: اليوم، تجد أمريكا نفسها أمام خيارين صعبين: 1. تفكيك الكيان:وهو خيار محتمل ولكن بشروط وترتيبات معينة. 2. استيلاء الروس أو الصينيين على الكيان: وهو خيار مرفوض تمامًا(خط أحمر).

قد تتجه أمريكا إلى تفكيك الكيان ونقله إلى مناطق صراع أخرى يمكن الاستفادة منه فيها، مثل أوكرانيا لمواجهة الروس أو أستراليا لمواجهة الصين. عملية التفكيك قد تبدأ بحملة إعلامية كبيرة لتشويه صورته عالميًا. قد نسمع عبارات مثل: "كنا ندعمه لأنه كان ينشر الديمقراطية، لكنه تغير اليوم بسبب استيلاء المتطرفين عليه." (ما أسهل خداع الشعوب!). ماذا يحدث بعد التفكيك؟ يجب أن تُسلم المنطقة بالتنسيق مع تركيا لأهلها الوطنيين الذين يضمن ولاءهم لاوطانهم. يجب أيضا عدم الإبقاء على المنطقة بيد "كلاب الحراسة" الحاليين لأن ذلك سيعني خطر انتقال ولائهم من الغرب إلى الشرق، وهذا أمر غير مقبول.

ربما هذا هو السبب وراء احتفاظ مصر على سبيل المثال بشخصيات وطنية من حكومة مرسي في السجون بأوامر أمريكية، تحسبًا لهذا السيناريو. سجناء اليوم قد يصبحون قادة المستقبل!

هذا والله اعلم...... يتبع

0