الضيف الثقيل
4 Jan 2025
سلسلة:الجذور

الضيف الثقيل

كيف تدخلت روسيا في سوريا؟ ولماذا سُمح لها بذلك في حين مُنعت من التدخل في ليبيا أثناء سقوط القذافي، الحليف السابق لموسكو؟

عند النظر إلى تدخل روسيا في سوريا، يجدر الانتباه إلى أن موسكو في ذلك الوقت لم تكن بنفس القوة والنفوذ الذي تمتلكه اليوم. حتى الحلف الشرقي، المكون من دول مثل الصين وإيران، لم يكن قد وصل إلى مستوى التنسيق والتأثير الذي نشهده الآن. لذلك، روسيا لم تكن تستطيع التدخل بمفردها؛ إذ لم تكن تمتلك القوة أو الدعم الكافي للقيام بخطوة بهذا الحجم.

إذاً، سمح الغرب، وتحديدًا الولايات المتحدة، بالتدخل الروسي في سوريا. ولكن لماذا؟ هناك عدة أسباب لذلك، منها: منع الانهيار الوشيك للنظام السوري في ذلك الوقت، والمساعدة في القضاء على تنظيم "باقية وتتمدد" (داعش). لكن السبب الأهم والأكثر جوهرية يتمثل في تسريع وتيرة المحرقة وزيادة حدتها، بما يخدم ويسرع مشروع "الشرق الأوسط الجديد". وبالفعل باشرت روسيا عملها على الفور (سياسة الأرض المحروقة) والكل كانو سعداء بالنتائج!!!!

روسيا تُعد دولة قوية، وتُقارب قوتها القوة الأمريكية. صحيح أنها لا تمتلك نفس العدد من حاملات الطائرات، لكنها ببساطة ليست بحاجة إليها! البعض يعتقد أن روسيا غارقة في المستنقع الأوكراني، لكن الواقع يبدو عكس ذلك. الدليل على ذلك هو أن الروس، حتى الآن، لم يستخدموا في المدن الأوكرانية نفس الأساليب التي استخدموها في سوريا. لو فعلوا ذلك، لكان الشعب الأوكراني بأكمله قد نزح إلى الخارج. ومع ذلك، امتنعت روسيا عن اتباع سياسة "الأرض المحروقة"، وذلك لاعتبارات عرقية ولرغبتها في طمأنة أوروبا وعدم تصعيد الأمور أكثر.

طمأنة أوروبا:

روسيا أدركت أن حرب أوكرانيا تمثل فخًا وحلًّا في آنٍ واحد. حلّ: أجل حل غربي لانهاء مشكلة ممر البوسفور، الممر الآمن الذي وفرته تركيا لروسيا ، والذي فتح على مصراعيه أمام الروس، مما مكّن روسيا من تهديد المصالح الغربية حول العالم، خاصة في إفريقيا. فخّ: لأنه بمثابة مكيدة أمريكية تهدف إلى إشعال حرب عالمية ثالثة على غرار الحرب العالمية الثانية بين أوروبا وروسيا.

روسيا تنبّهت لهذا الفخ بفضل النصائح الصينية والتركية، مما أدى إلى اجتماع مخابرات الحلف الشرقي مع أجهزة مخابرات الدول الأوروبية الكبرى، تحديدا ألمانيا وفرنسا. (لاحظ انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي قبل المؤامرة الأوكرانية). خلال هذا الاجتماع، شرح الحلف الشرقي للقيادات الألمانية والفرنسية الخطة الأمريكية، التي كانت تهدف إلى تدمير روسيا وأوروبا معا، بينما تتدخل الولايات المتحدة في اللحظات الأخيرة، لتحصد المكاسب والنصر – كما فعلت تماما في الحرب العالمية الثانية وهو السيناريو المفضل لدى الأمريكيين. تفهمت أجهزة الاستخبارات في ألمانيا وفرنسا أبعاد الخطة الأمريكية، لكن هذه الدول لم تكن قادرة على مواجهة الولايات المتحدة علنًا، نظرًا لوقوعها تحت الابتزاز الأمريكي، تمامًا كما هو الحال مع الدول العربية، ولكن بطريقة أكثر حداثة وأقل وقاحة.

تم التوصل إلى اتفاق بين أوروبا وروسيا يقضي بالسماح لروسيا بتدمير واحتلال أجزاء معينة من الأراضي الأوكرانية، لضمان أمنها القومي فقط. وفي المقابل، لن تتدخل هذه الدول بشكل فعلي في الحرب – لاحظ كلمة "فعلي". وهذا ما أكده لاحقًا شكوى الرئيس الأوكراني من خذلان الغرب له.

بهذا، ضمنت روسيا أمنها القومي وراعت المخاوف الاوربية، وحافظت أوروبا على أمنها أيضًا، مما ساعد على افشال الخطة الأمريكية.

أما أوكرانيا؟ للأسف، القيادة الأوكرانية أظهرت خيانة وغباء سياسي غير مسبوق... . فقد ضحت بشعبها وأمنها من أجل الأمن القومي الأمريكي. أما الرئيس الأوكراني، فهو مجرد دمية خاضعة للابتزاز الأمريكي، ولا يملك أي قرار مستقل.

نعود إلى سوريا. ببساطة، طُلب من بوتين التدخل في سوريا بهدف تفريغها، ثم تسليم الأرض إلى الكيان، على أن تنسحب روسيا لاحقًا بعد الحصول على حصتها المتفق عليها.

لكن الأحداث أخذت منحى مختلفًا تمامًا بعد الانقلاب العسكري التركي. بعد انضمام تركيا إلى الحلف الشرقي، شعرت الولايات المتحدة بالخطر وطلبت من الروس مغادرة سوريا فورًا. إلا أن الروس رفضوا الخروج من سوريا، مما اعتُبر غدرًا بالاتفاق السابق مع الأمريكيين.

ردًّا على ذلك، لجأ الجيش الأمريكي إلى توجيه ضربة تحذيرية للروس. فتواصلت المخابرات الأمريكية مع نظيرتها الروسية، مطالبةً بإخلاء بعض القواعد العسكرية الروسية استعدادًا لقصفها بصواريخ "توماهوك"، التي تُعد فخر الصناعة الأمريكية، بفضل دقتها العالية في إصابة الأهداف.

وفي تاريخ 12-04-2018، أُطلقت صواريخ "توماهوك" باتجاه الأهداف المتفق عليها كتحذير للروس. في ذلك الوقت، خرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قائلاً بلهجة ساخرة:"استعدي يا روسيا، لأن الصواريخ قادمة، جميلة وجديدة وذكية!"

لكن الصدمة الكبرى جاءت عندما نجح بوتين، بمساعدة الصين، في تطوير صواريخ مضادة، أسقطت لأول مرة في التاريخ جميع صواريخ "توماهوك" الأمريكية!

بوتين أسقط الصواريخ الأمريكية، بوتين أسقط الهيمنة الأمريكية!!!!

والله أعلم.... يتبع

0