الإمبراطورية الجديدة!
5 Jan 2025
سلسلة:الجذور
الترتيب 28 في السلسلة

الإمبراطورية الجديدة!

الصراع في منطقتنا اليوم يشهد توتراً غير مسبوق... الأرض مشتعلة، والأيادي الممتدة كثيرة ولا تُحصى. سبق و أوضحنا في مقالات سابقة، سعي قوى الغرب، وخاصة الولايات المتحدة، بكل ما أوتيت من قوة للحفاظ على وكلائها في المنطقة، بغض النظر عن التكلفة. المشروع الرئيسي، المتمثل بالكيان الصهيوني، أصبح يواجه خطراً كبيراً. بالإضافة إلى ذلك، تتعرض مشاريع فردية أخرى، مثل وكلاء سايكس بيكو ومشروع قسد، لتهديدات متزايدة. أمريكا يمكنها التضحية وبيع الجميع وفقاً للمصالح والتدافعات الدولية، باستثناء الكيان، لأنه يُعتبر درّة التاج الاستعماري... وقد كلّف الكثير من الأموال، رغم أن عائداته كانت أكبر بكثير.

بات الكيان وأنظمة العربان اليوم يواجهون خطراً محدقاً غير مسبوق، حيث لم تعد الساحة الإقليمية تحت هيمنة لاعب واحد. لقد برز الحلف الشرقي الجديد كقوة تسعى بشراسة إلى تقويض نفوذ الحلف الغربي في المنطقة، وطرده منها أولاً، ثم ملاحقته إلى عقر داره لاحقاً.

اليوم، توجد مقاومة في غزة تتلقى دعماً حقيقياً، وإن كان خجولا ومتواضعاً، إلا أنه يتصاحب مع قدرة رادعة بفضل الدعم الخارجي. بالإضافة إلى ذلك، ظهر رادع سوري قوي، مدعوم بتحالفات استراتيجية مع تركيا، روسيا، والصين، مما زاد كثيرا من تعقيد المعادلة الإقليمية.

لدينا أيضاً الجيش التركي الذي يتمتع بحضور قوي في المنطقة، إلى جانب القواعد الروسية المنتشرة سواء في سوريا، ليبيا، السودان، أو في عدد من الدول الأفريقية. كما يبرز الحليف الكوري الشمالي كعنصر داعم في هذا التحالف الشرقي المتصاعد. الصين، من جهتها، تستعد لحرب قادمة خاصة في تايوان واضعة عينها على تحقيق أهدافها الاستراتيجية الكبرى، مما يزيد من حدة التوترات العالمية الإقليمية.

لماذا تايوان؟

يرى معظم المحللين السياسيين أن أهمية تايوان تكمن في دورها المحوري في صناعة التكنولوجيا والشرائح الإلكترونية المتقدمة. لكن إذا كان الأمر يتعلق بهذه الصناعة فقط، فلماذا لا يمكن نقلها إلى الخارج عند الشعور بالخطر؟ الجواب الحقيقي يكمن في الموقع الجغرافي لتايوان ودورها الاستراتيجي.

السر في الموقع: أمريكا حولت تايوان إلى منصة إطلاق صواريخ دفاعية وهجومية تخدم مصالحها العسكرية في المنطقة والعالم.

السيناريو الأول: إذا قررت أمريكا قصف الصين، فإن الصواريخ المنطلقة من تايوان ستصل بسرعة كبيرة بسبب قرب المسافة، مما يقلل من قدرة الصين على التصدي أو إسقاط تلك الصواريخ، نظراً لضيق الوقت المتاح للرد.

السيناريو الثاني: إذا قررت الصين قصف أمريكا، فإن تايوان ستعمل كخط دفاع متقدم لأمريكا. من خلال رصد مبكر لأي إطلاق صواريخ صينية، ستتاح للولايات المتحدة فرصة كبيرة للتصدي لتلك الهجمات وإسقاط الصواريخ قبل أن تصل.

النتيجة: في كلا السيناريوهين، تحقق أمريكا تفوقاً استراتيجياً على الصين بفضل موقع تايوان. هذا التفوق هو ما تسعى الصين لإنهائه، بهدف كسر هذه المعادلة الاستراتيجية، تماماً كما فعلت روسيا في تركيا.

ماذا فعلت روسيا؟

روسيا واجهت مشكلة مشابهة تماماً، حيث كانت الأراضي التركية تمثل منصة الردع والتفوق الاستراتيجي الأمريكي ضدها. وجود القواعد والرادارات الأمريكية في تركيا كان يمنح واشنطن ميزة كبيرة على روسيا، مما شكل تهديداً دائماً للأمن القومي الروسي. بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا عام 2016، والتي تورط فيها بعض العناصر المدعومة من الخارج، حدثت تغييرات جذرية في الجيش التركي. تم تطهير الجيش من الخونة والعملاء الذين ساهموا في تعزيز النفوذ الأمريكي في المنطقة. كنتيجة لذلك، تمكنت روسيا من تحييد القواعد والرادارات التي كانت تشكل تهديداً مباشراً لها.

مع تراجع النفوذ الأمريكي في تركيا، لجأت واشنطن إلى السويد كبديل استراتيجي. ضغطت على السويد للانضمام إلى حلف الناتو، مستخدمة القوة والابتزاز لتحقيق هذا الهدف. اليوم، تُعتبر السويد جزءاً من الاستراتيجية الأمريكية الجديدة لمحاصرة روسيا وتعزيز وجودها العسكري قرب الحدود الروسية.

اللافت للنظر أن الدور الصيني يبقى مخفياً وغير ظاهر للعيان، لكنه حاضر في كل مكان. على سبيل المثال، عندما اندلعت الحرب الروسية الأوكرانية وفرض الغرب عقوبات على النفط الروسي، تراجع سعر النفط الروسي بشكل كبير. في هذا الوقت، اشترت الصين الحصة الأوروبية الكاملة التي كانت تستهلكها أوروبا من النفط الروسي وبالسعر العالمي!

هذا يعني أن الصينيين كانوا قادرين على شراء النفط بأسعار زهيدة جدا، لكنهم اختاروا دفع السعر الأعلى بهدف إبقاء روسيا قوية وصامدة. لأن انهيار روسيا يعني انهيار الصين لاحقاً."أكلت يوم أُكِلَ الثور الأبيض"

لم تكتفِ الصين بذلك، بل قامت بتعويض روسيا عن السلع التي حُرمت منها بسبب العقوبات الغربية. الأغرب أن بعض الدول الأوروبية دعمت روسيا سراً لمنع انهيارها، خشية أن تستفرد أمريكا بالساحة بشكل كامل.

نعود لمنطقة الشرق الأوسط. إذا فشلت أمريكا في حماية الكيان، فإنها قد تلجأ إلى تفكيكه ونقله إلى مكان آخر، كما أوضحتُ في مقال سابق. لكن المشكلة الحقيقية ليست في تفكيك الكيان فقط، بل في القوى التي ستملأ الفراغ بعد رحيل الغرب عنه. وهذا هو جوهر مقالنا اليوم.

روسيا والصين تتربصان بالمنطقة، وتحلمان بالسيطرة عليها ونقل تبعية وكلاء سايكس بيكو من الغرب إلى الشرق. وإذا تمت السيطرة الكاملة على المنطقة، فسيكون لذلك تبعات كارثية على الغرب، حيث سيتم ابتزازه اقتصادياً وعسكرياً بشكل غير مسبوق.

ما الحل؟ إحدى الخيارات الأخيرة التي قد يلجأ إليها الغرب هي التخلص من وكلاء سايكس بيكو وتسليم السلطة إلى القوى الوطنية المخلصة ذات التوجه الإسلامي. هذه القوى يُتوقع أن تعمل لصالح الشعوب والأوطان العربية، وضمان عدم ولائها لأي طرف سوى للخالق. بذلك، تنتهي معضلة نقل الولاءات بين الشرق والغرب ومن يحمي أو يدفع أكثر.

ستتم هذه العملية تحت إشراف تركي، حيث تُعتبر تركيا شريكاً مثالياً وضامن موثوق بسبب تقاربها الفكري والتوجه المشترك. تركيا ستكون الداعم والمشرف الأساسي لبناء الإمبراطورية الإسلامية الجديدة، التي ستكون بمثابة سد منيع يفصل الشرق عن الغرب.

هذه الإمبراطورية الجديدة لن تكون فقط خط دفاع، بل ستعمل كصمام أمان يبرد التوترات في المنطقة والعالم، مما يعيد التوازن إلى الساحة الدولية.

هذا والله اعلم.... يتبع

0