لطالما اعتبرنا قصة "الثور الأبيض" حكاية موجهة للأطفال، لكنها في الحقيقة نموذج متكرر في التاريخ السياسي، نعيشه يوميًا بأدق تفاصيله. القصة لم تبدأ اليوم، بل تعود جذورها إلى حادثة الأخوين قابيل وهابيل، وهي مستمرة حتى قيام الساعة.
حينما يعتدي المرء على أخيه، قريبه، أو حتى جاره ويضعفه، فإنه في الحقيقة يضعف نفسه. وهكذا يُقتل "الثور الأبيض".
في أحداث حماة، ارتكب نظام الأسد مجازر أعتقد أن الغرب سمح له بارتكابها، لكنني أعتقد أنه في الوقت ذاته جمع الأدلة ضده ليبقيه تحت الابتزاز هو ومن تبعه من جماعته. وعندما جاء ابنه واختار الحل العسكري، عاد ليقتل "الثور الأبيض" مجددًا، ولم يكن الثمن مجانيًا، بل دُفع جزء منه بالنهاية والباقي بالتقسيط المريح على أتباعه.......
في الحرب الأوكرانية، عندما فرض الغرب حصارًا على مشتريات النفط والطاقة الروسية، كان ذلك كافيًا لانهيار روسيا بشكل كامل، لكن لم يحدث ذلك، لأن أعضاء الحلف الشرقي كانوا يدركون معنى "الثور الأبيض".
الصين سارعت إلى شراء الطاقة الروسية "بسعر مرتفع" ، رغم أنها كانت تستطيع شراءه بسعر بخس، لكنها اختارت الحفاظ على روسيا قوية، لأنها تشكل خط الدفاع الأول عنها. تركيا زودت وعوضت روسيا بالبضائع المحظورة ولم تفرض عليها حصارًا بحريًا في البحر الأسود، كما طلب الغرب وبالتالي حمت "الثور الأبيض". حتى قطر لم تكتفِ بتغطية نقص الغاز الروسي في السوق الأوربي وبأسعار مرتفعة، بل أعتقد أنها أعادت جزءًا من المال إلى روسيا تحت ستار صفقات عسكرية، مما ساعد على استمرار استقرار الاقتصاد الروسي....
* حتى بعض الدول الأوروبية، بحسب قراءتي، أوعزت للهند بشراء الطاقة الروسية وإعادة تصديرها إلى أوروبا، خوفًا من انهيار روسيا واستفراد الولايات المتحدة بها عبر حلفائها وعملائها.
النظام السوري الجديد.. خط الدفاع الأول اليوم للمحور الشرقي.... وحمايته تعد بمثابة أمن قومي بالنسبة لهم... ينظر اليه كالثور الأبيض....
عندما تتآمر قوى وشخصيات من طوائف مختلفة في سوريا على الأغلبية السنية، فإنها في الحقيقة تستهدف "الثور الأبيض"، وعندما يحكم البلاد أقلوي بلا قاعدة شعبية حقيقية، فهو يعيد قتل "الثور الأبيض"، مما يفتح المجال أمام القوى الخارجية للاستفراد بالجميع لاحقًا.
التاريخ يثبت أن قتل "الثور الأبيض" لا يُضعف الضحية وحدها، بل يُضعف الجميع. ما نراه اليوم هو تكرار لنفس القصة، بأبطال مختلفين وسياقات متعددة. فهل نتعلم من الدرس، أم سنواصل السير في نفس الدائرة المغلقة؟
لا تقتلوا الثور الأبيض...لا تقتلونا......
قصة الثور الأبيض في غابة بعيدة، عاش ثلاثة ثيران بأمان: أبيض، أحمر، وأسود. كان الأسد يطمع في افتراسهم، لكنه لم يكن قادرًا على مواجهتهم معًا. فحاول التفرقة بينهم.
* أقنع الأسد الثورين الأحمر والأسود بأن الثور الأبيض مختلف عنهما ويمكن الاستغناء عنه، فسمحا له بأكله. * بعد فترة، أقنع الأسد الثور الأسود بأن الثور الأحمر يشكل خطرًا عليه، فوافق على التخلص منه. * في النهاية، بقي الثور الأسود وحيدًا، وعندما جاء الأسد لافتراسه قال مقولته الشهيرة: "لقد أُكلتُ يوم أُكل الثور الأبيض!"
والله أعلم..... 180
