حكومة الشرع - النسخة بيتا -  Beta Version
22 Dec 2024
سلسلة:الجذور

حكومة الشرع - النسخة بيتا - Beta Version

من الملاحظ اليوم مدى كثافة الرحلات من أهم عواصم العالم إلى دمشق... وفود تصل... ووفود ترحل... ما الذي يحدث؟ لفهم ما الذي يحدث على الأرض، لنقم أولاً بتصنيف الدول:

- إيران: لن تبعث أي وفود بعد، لكنها إن بعثت، فهي تريد البدء بصفحة جديدة على مبدأ "المسامح كريم... ولم أكن أعلم". وربما استعادة بعض ما أنفقته على بقاء بشار.

- حكومات سايكس بيكو (عدا قطر): تريد ما تأمر به أمريكا. لذلك لن نضيع وقتنا بالتكرار.

- الكيان: نفس الشيء، فهو يتبع القرار الأمريكي.

- روسيا: لن ترسل وفودًا بالمعنى الحقيقي، بل وفودًا شكلية. لأنها سبق واتّفقت مع الشرع على كل شيء عبر الأتراك... هل تقصد أن الشرع يتبع القرار الروسي؟ كلا، الشرع شريك استراتيجي هام جدًا جدًا مع المحور الشرقي الذي ذكرته سابقًا (الصين، روسيا، تركيا، قطر). وهذا التحالف مستعد لخوض حرب عالمية ثالثة من أجل حماية حكومة الشرع. وهذا سبب وقوف الروس موقف المتفرج. ضع ألف خط تحت كلمة "المتفرج" أثناء تقدم قوات الردع وسقوط المدن السورية بيد الثوار. بل حتى تم منع إيران والعراق ولبنان من تقديم أي مساعدة للحليف المنهار بشار (سوف أشرحه بالتفصيل مستقبلاً).

- تركيا: هي الحليف والشريك الاستراتيجي الأول، بل هي من جهّزت ودربت ونصحت القوات الفاتحة... وأرسلت أهم شخصيتين إلى دمشق: وزير الخارجية ووزير الاستخبارات التركي.(من يفهم السياسة سيدرك معنى ذلك) . التنسيق مستقبلاً سيكون على أعلى مستوى بين حكومة الشرع وحكومة أنقرة لمصلحة البلدين... سوف تشاهد في دمشق نسخة مصغرة مطابقة تمامًا لعقلية حزب العدالة والتنمية... وهذا ما يفسر الحنكة السياسية العالية التي أصبحت تتمتع بها حكومة الشرع... بل الشرع نفسه.

- أمريكا: هنا يكمن السر.... أرسلت أمريكا أولاً الوفود العربية إلى دمشق لابتزاز الشرع بمطالب سوف أذكرها لاحقًا... لكن الشرع لم يخضع لتلك المطالب، كونه يمتلك القوة وليس مضطرًا للقبول أو تقديم أي تنازلات أو امتيازات بالمجان. (ضع أيضًا ألف خط تحت كلمة بالمجان، لأن كل سياسات سوريا المستقبلية سوف تُبنى على هذا المبدأ وهو نفس النهج التركي تمامًا). يعتبر الشرع الآن عضوًا في حلف قوي، ولديه دعم مفتوح وناصح تركي صادق، وتعلّم من الأتراك سياسة بيضة القبان (سياسة اللعب على المصالح الجيوسياسية لجميع الأطراف). بعد فشل الوفود العربية (عدا قطر، وهذا يُشرح لاحقًا)، أمر الأمريكيون حكومات الغرب الأوروبي بالتوجه إلى دمشق وبحث نفس المطالب والامتيازات... (بالإضافة إلى أمور تخص الشأن الأوربي طبعا) وفشلوا أيضًا في انتزاع أي شيء منه. بعد أن فشل جميع الرسل... حاولت أمريكا مع الأتراك، الأخ الأكبر لحكومة الشرع... وعادت خالية الوفاض... هنا توجهت مباشرة إلى دمشق.

المطالب الأمريكية: ذهب الوفد الأمريكي إلى دمشق من أجل الاعتراف بالحكومة الجديدة. الاعتراف مقابل التنازلات والامتيازات. هذه هي معايير السياسة الأمريكية. لكن يبدو انه لم يحصل على شيء، لذلك تم إلغاء المؤتمر الصحفي المفترض عقده بعد الاجتماع بحجة "الأسباب الأمنية"!! كل الوفود الأجنبية تتحرك بحرية في دمشق، بل إن بعضها زار المسجد الأموي، وزِد على ذلك تواجد طيران التجسس الأمريكي وطيران الكيان شبه الدائم في سماء دمشق. وامتلاك أمريكا لـ20 قاعدة عسكرية في سوريا... ومع ذلك لا يشعرون بالأمان!! السبب الحقيقي لتأجيل المؤتمر هو فشل الوفد الأمريكي في الحصول على جميع مطالبه أو معظمها...

لكن ما هي هذه المطالب؟ 1. طرد القواعد العسكرية الروسية من سوريا: وهذا لم ولن يقبل به الشرع من باب اللعب على الصراع الدولي وابتزاز الدول الكبرى (بيضة القبان - اللعب على الطريقة التركية). إذا أصر الأمريكيون على هذا الطلب، قد يطلب منهم الشرع قوائم طويلة من السلاح والعتاد والدعم الاقتصادي لتنفيذه. لكن الأمريكيين لن يوافقوا لأنهم ببساطة لا يثقون به الآن أو مستقبلاً...

2. التوازن العسكري: ربما يقترح الشرع عمل توازن عسكري في سوريا. أي أن كلا من الأمريكيين والروس يمتلكون نفس عدد القواعد العسكرية... ولا أعتقد أن أمريكا سترضى بهذا الحل، لأنه يحقق مصالح الروس بالحفاظ على ممرهم الآمن في البحر المتوسط إلى بقية العالم، وهذا ما تخشاه أمريكا والغرب.

3. إبقاء قسد: أمريكا سوف تقدم إغراءات اقتصادية ضخمة جدًا مقابل إبقاء قسد (كأن يأتي شخص ويقنعك بإبقاء أفعى سامة في منزلك بحجة أنها مسالمة ولن تؤذي الأطفال). طبعًا الشرع لن يقبل ذلك، وإن قبل، سيكون قد خسر مقعده بالحلف الشرقي وأصبح في الحلف المقابل... وهذا سوف يضع سوريا في مواجهة مباشرة مع دول الحلف الشرقي، عدو الأمس وحليف اليوم.

4. إقامة سلام مع إسرائيل: إنشاء نظام "شكلي" يعادي إسرائيل علنًا، لكنه يلتزم بالسلام الفعلي معها (النظام الأسدي). الشرع سيُطالب بعدم التدخل في أي حروب إسرائيلية، وخاصة ضد لبنان وفلسطين. أمريكا تريد تحويل النظام السوري إلى نسخة "إسلامية" من نظام الأسد، حيث يصرح بعداء إسرائيل دون أي أفعال. لكن الشرع سوف يرفض... لأنه إذا وافق سيؤكل كما أُكل الثور الأبيض.

لذلك فشل الاجتماع حتى لحظة كتابة هذا البوست، ولو وافق الشرع لكنا شاهدنا وزير الخارجية الأمريكي يعلن إعجابه بالسيد الشرع وعن دهشته بالانتقال السلس للسلطة (في 13 يونيو 2000، التقت وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك، مادلين أولبرايت، ببشار الأسد في دمشق، بعد ثلاثة أيام من وفاة والده، حافظ الأسد. خلال هذا اللقاء، أشادت أولبرايت بالانتقال السلس والمنظم للسلطة في سوريا، ووصفت بشار بأنه "متزن للغاية وشخص مستعد لتولي مهامه"). لكن يبدو أن الشرع لم يرضخ للمطالب الأمريكية ورفض أن يكون أداة بيدهم وأصر على التوازن بين القوى الكبرى.

اذا خلاصة المطالب هي، إبعاد روسيا من سوريا وحماية الكيان الصهيوني وقسد.

لن يتبقى بيد الأمريكان سوى ورقة العقوبات الاقتصادية على سوريا كوسيلة ضغط لتحقيق تلك الأهداف. لكنها ليست فعالة كما كانت سابقًا... لأول مرة أمريكا تشعر بالعجز أمام المعطيات الجديدة، فهي ليست قادرة على محاربة الشرع عسكريًا لأنها تعلم حجم القوة التي تدعمه (المحور الشرقي)، وهي لا تريد أن تخسره في حال فشل الحل العسكري... ولا تريد معاداته اقتصاديًا لأن النتائج غير مضمونة... وقد تخسره إلى الأبد.

السيناريوهات القادمة: 1- أن تصر أمريكا على حماية قسد، مما يدخلها في صدام مباشر مع تركيا والجيش الحر... وهذا مستبعد جدًا وخطير لأنه سوف يعني انتقال تركيا وسوريا بشكل كامل إلى الحلف الشرقي (وهذا بالضبط ما تتمناه الصين وروسيا) وسوف تخسر أمريكا نفوذها بالمنطقة والكيان المحتل في نهاية المطاف... وهذا مخاطرة لن تقدم عليها. (في حال انضمام تركيا وسوريا بشكل كامل للحلف الشرقي، فسوف تنسحب تركيا من الناتو ومن المحتمل اجتياح كامل أوروبا مستقبلاً). (لا ننسى أن تركيا عملت على استبدال منظومات الدفاع الجوي الأمريكية الموجودة على أراضيها بمنظومات سام الروسية بالإضافة إلى منظومات صينية سرية تحسبًا لهذا اليوم).

2- وهو المرجح عندي: أن تستسلم أمريكا وتحافظ على الحليف التركي السوري وتضحي بقسد على أمل الحفاظ على الكيان لأطول فترة ممكنة... لكنها سوف تفككه بالسنوات القليلة القادمة، وهذا ما سوف أتحدث عنه لاحقًا...

والله أعلم 180

0