مقارنة الثورة السورية، المصرية، والتونسية
24 Dec 2024
سلسلة:الجذور
الترتيب 18 في السلسلة

مقارنة الثورة السورية، المصرية، والتونسية

من فضل الله علينا أن الثورة السورية لا يمكن قياسها بالثورة المصرية أو التونسية، لأن الأجهزة الأمنية في مصر وتونس بقيت بيد الغرب؛ الأولى مع أمريكا والثانية مع فرنسا. أما في سوريا فقد تم اقتلاعها بالكامل بسبب طبيعة النظام القائم، ولم يتبقَّ إلا الفلول وبعض الطوابير الخلفية. ولهذا فإن الوضع في سوريا مختلف تمامًا، والأجهزة الأمنية الجديدة ليست أدوات بيد الغرب، بل هي جزء من هيكل الدولة نفسها. فسوريا اليوم كدولة بُنيت على أسس حديثة وعميقة، أضف إليها التحالفات الدولية التي أقامتها والتي لعبت دورًا كبيرًا في نجاحها والحفاظ عليها.

سوريا اليوم على أرض الواقع بعكس النتائج التي يحاول الإعلام الغربي والعربي تصويرها. الصورة التي كانت تظهر أن سوريا ضعيفة ومتهالكة انقلبت تمامًا، وأصبحت سوريا اليوم قادرة على فرض واقع جديد. باتت العوامل الإقليمية جميعها تلعب لصالح سوريا في الوقت الحالي، رغم المحاولات المستمرة والمستميتة لإضعافها. ولا أبالغ إن قلت إن تحرير سوريا هو نقطة التحول الأساسية لتحرير بقية المناطق المجاورة .

الحلفاء الجدد:

الحليف الروسي (عندما أتكلم بصورة إيجابية عن الروس أو غيرهم فهذا لا يعني أنني معجب بهم...) ليس مجرد داعم عسكري أو سياسي، بل يعتبر سوريا نقطة استراتيجية لمصالحه في البحر المتوسط. وهذا يفسر لماذا يهتم ويدعم النظام السوري الجديد الذي بات يمتلك قاعدة شعبية حقيقية. وأصبحت روسيا تلعب دورًا كبيرًا في دعمه ومساعدته على تحقيق نوع من الردع ضد القوى التي تحاول الضغط عليه. (مع أن روسيا نفسها قبل عدة سنوات كانت تقصف وتحارب نفس الجهة، نفس الثوار!).

سوريا اليوم أجبرت خصومها على التعامل معها بشكل جديد، ليس كدولة ضعيفة، ولكن كطرف أساسي في المنطقة. وهي مستقرة بشكل كبير مقارنة بالدول الأخرى التي مرت بنفس الأزمات.

الحليف التركي سبق وشرحت موقفه ويمكن اختصاره بجملة واحدة: الأخ الأكبر الذي لا يبخل عليك بنصح أو دعم.

الحليف الصيني: آثاره ليست واضحة، لكنه يدعم ماليًا بشكل غير مباشر.

أنظمة سايكس بيكو ونظام الملالي في إيران في السابق لعبا أدوارًا مختلفة، لكن تأثيرهما اليوم على سوريا ما زال محدودًا مقارنة بالدعم التركي الروسي المباشر.

الغرب: العقوبات الغربية أثرت على الاقتصاد السوري، لكنها ما زالت غير قادرة على تغيير الموقف العام أو فرض تنازلات كبيرة على الحكومة السورية.

الوضع باختصار شديد:

((((الوضع في سوريا ليس مجرد أزمة داخلية، لكنه جزء من صراع دولي أكبر على النفوذ في المنطقة.))))

الغرب حاول كثيرًا أن يضغط على الحكومة الجديدة عن طريق العقوبات والإغراءات، لكن الشيء الذي غفل عنه الكثيرون هو أن سوريا الجديدة اكتسبت خبرة كبيرة في التعامل مع الأزمات العالمية والمحلية. موقفها التفاوضي أصبح أقوى من أي وقت مضى، بالإضافة إلى الدعم الذي يقدمه المحور الشرقي (تركيا والصين وروسيا)، والذي ساعد سوريا على تجاوز أمور كثيرة كانت تُعتبر مستحيلة.

سوريا تحولت بالفعل إلى "بيضة القبان" في التوازنات الدولية. أي طرف يخسرها سوف يخسر جزءًا كبيرًا من قوته الإقليمية. (هذا الموضوع خطير وسوف يُشرح لاحقًا بسبب أهميته الشديدة، لأن خسارة النفوذ الإقليمي ترتبط بخسائر لاحقة للبلدان الكبرى). ولذلك نجد أن كل القوى العالمية تحاول كسب سوريا إلى صفها، سواء بالضغط أو بالإغراء. كما أن أمريكا باتت تعلم جيدًا أنها لم تعد قادرة على فرض شروطها بسهولة.

وفي الختام: سوريا الجديدة ليست فقط صامدة، لكنها في موقع قوة. وبفضل الله، كل الأطراف الدولية اليوم تعمل حساباتها بناءً على الموقف السوري الجديد.

والله أعلم... يتبع... 180

0