نهاية نظام الملالي
24 Dec 2024
سلسلة:الجذور

نهاية نظام الملالي

أسوأ ثلاث مؤامرات وقعت مؤخرًا في منطقتنا هي: نظام آل سلول، ونظام الملالي، والكيان الصهيوني. وسوف أشرحهم لاحقًا، لكنني اليوم سأركز على إيران.

إيران عبارة عن مزيج من الفكر الإيراني الخاص، والفكر الديني السياسي الذي يتبناه نظام الملالي، والفكر المجوسي. كيف نشأت إيران؟ وما هي الأسباب الاستراتيجية التي دفعت القوى العظمى لإنشاء إيران؟ ولماذا ستزول إيران حاليًا؟ طبعًا، زوال إيران لا يعني زوال الشعب الإيراني أو بالضرورة تفكيك أراضيه. الزوال المقصود هنا هو زوال القادة والإيديولوجيات ووسائل السيطرة، مما يؤدي إلى انهيار المنظومة الحاكمة والدولة.

ترفع إيران حاليًا راية نظام الملالي ..... وتدّعي حماية وحب أهل البيت، لكنها في الحقيقة تتاجر بالمخدرات الدينية...، وتدمّر المجتمعات، وتنفّذ أحد وجوه الإمبريالية المتمثل في قتل الناس وسلب أراضيهم. طبعًا، تحرير سوريا ساهم بشكل كبير في كشف العديد من الحقائق وبدء نهاية هذا النظام الظلامي. بدأت ملامح النهاية فعليًا بمقتل الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي، والذي أعتقد أن للمخابرات الروسية يدًا فيه، خلافًا للاعتقاد السائد بأن المخابرات الأمريكية هي التي قتلته، ومن المتوقع أن تتحول إيران إلى دولة علمانية.

دعمت القوى العظمى إيران سابقًا لأسباب استراتيجية، أهمها التمركز العسكري وخطوط الإمداد (بيضة القبان)، مما جعلها تحظى بدعم متبادل من كلا الطرفين الغرب والروس.

الدعم الروسي: دعم الروس إيران بسخاء كبير لأنها كانت المخرج الوحيد لروسيا على مدار الخمسين سنة الماضية أو أكثر (تقريبًا منذ الحرب العالمية الثانية)، خاصة بعد أن أحكم الغرب قبضته على المضائق المائية التركية وسيطر عليها عبر تركيا.(خونة العسكر الاتراك في الجيش التركي).

يملك الروس ثلاث أو أربع مخارج نحو العالم:

المخرج الأول: عبر بحر البلطيق، لكنه يمر بممرات مائية ضيقة عبر السويد والدنمارك، وهو خاضع فعليًا للسيطرة الأمريكية، مما يجعله غير آمن ويتطلب إذنًا أمريكيًا للعبور.

المخرج الثاني: عبر البوسفور التركي، ثم بحر مرمرة والدردنيل وصولًا إلى شرق البحر المتوسط. إلا أن هذا الممر أصبح بعد سقوط الدولة العثمانية تحت السيطرة الأمريكية (في البداية عبر فرنسا وبريطانيا)، وفي الحروب والأزمات قد يُمنع الروس من العبور أو يُقصفون أثناء مرورهم.

المخرج الثالث: عبر المحيط الهادئ، لكنه غير عملي، إذ يتطلب وقتًا وتكاليف كبيرة، كما أنه غير آمن بسبب وجود القراصنة. حتى إذا وصل الروس عبر هذا الطريق، سيواجهون تحديات في باب المندب ثم قناة السويس، وكلاهما خاضع للسيطرة الأمريكية.

بسبب هذه التحديات، أصبحت إيران المخرج الأساسي وشبه المضمون للروس، ما دفعهم لدعمها بسخاء، حتى أنها أوشكت على امتلاك القنبلة النووية. أيضا تم دعمها لإيقاف حرب النفط التي فرضها الأمريكيون عليهم.

حرب النفط: شنت أمريكا على الروس حرب أسعار نفط شرسة جدًا أضرت بشدة بالاقتصاد الروسي، حتى أن برميل النفط كان يُباع أحيانًا بفتات الثمن، (يعتمد الاقتصاد الروسي بشكل كبير على الواردات النفطية) مما شكّل ضغطًا كبيرًا على الاقتصاد الروسي، وهو أحد أعمدة قوتها. نتيجة لذلك، لم يتبقَ لروسيا حل إلا إيران، فكان لا بد من إقامة علاقة جيدة معها، وتقديم الدعم العسكري مقابل شيئين أساسيين:

الأول : السماح للروس باستخدام الأراضي الإيرانية(هذا الشرط فقد أهميته بعد أن أصبح لروسيا حليف قوي يتمثل في حكومة الشرع بسوريا. هذا يفسر عدم قصف الروس للثوار أثناء التحرير وتهديدهم إيران والعراق ولبنان بسحقهم إذا أرسلوا دعمًا لبشار الأسد). الثاني : القيام بعمليات غزو على الخليج للسيطرة على أسعار النفط. خلال حرب العراق، اتفق الروس مع إيران على أن تلعب دورًا كبيرًا عبر الحرب المباشرة والخلايا النائمة للسيطرة على الخليج. كما طلبوا منها دعم صدام حسين كحليف للروس، لكن إيران غدرت بالروس ومنعت تنفيذ هذا الاتفاق. إيران أدركت أن انتصار العراق سيخدم المصالح الروسية فقط، وسيؤدي إلى فقدانها الامتيازات والخدمات الروسية، لأن روسيا ستعتمد على العراق أو العرب كبديل. لذا، حرصت إيران على إبقاء روسيا بدون بديل، لابتزازها على مدار سنوات، مما تسبب في خسائر تريليونية للروس على مدى عقود.

إيران تبتز روسيا مقابل خدمات لا تنجزها بالكامل أو تنجز جزءًا بسيطًا منها، بينما تبيع باقي الخدمات الاستراتيجية للأمريكان. ليس من الضروري أن يكون الثمن أموالًا، بل قد يكون خدمات استراتيجية، مثلما أقنع الأمريكان إيران بدخول العراق معهم مقابل اقتسام العراق، مما دفعها للتخلي عن الروس.

إيران كانت تتعاون مع الأمريكان وتحتمي بهم من غدر الروس ومن آلة الحرب الروسية، والعكس صحيح. لقد مارست سياسة "بيضة القبان" ولكن بأسلوب فارسي يختلف عن الأسلوب التركي. روسيا، رغم إدراكها للموقف، لم تكن قادرة على غزو إيران؛ لأن ذلك كان سيمنح أمريكا فرصة لدعم إيران ضد الروس، وقد يتكرر السيناريو الأفغاني بجلب المجاهدين للدفاع عنها.

النظام الإيراني لعب بالقوى العظمى، فهدد الأمريكان بالروس وهدد الروس بالأمريكان. لكن بعد صعود الصين وتحالفها مع الروس، أدرك الروس والصينيون أن إيران، خلال أربعين أو خمسين سنة، لم تقدم لهم أي فوائد تُذكر، ولم يخرجوا بأمان من أراضيها. وبما أن الحل العسكري مع إيران خطر وغير مضمون النجاح، بدأ التفكير في التعاون مع الأتراك كبديل.

كان الروس في عداء شديد مع الأتراك على مدى مئات السنين (بسبب أحلام القسطنطينية)، لكن الحلف الشرقي الجديد قرر نبذ الخلاف والبدء بالتعاون للإطاحة بالنظام الإيراني. لكن بوتين كان على يقين بأن القوات التركية التابعة لحكومة أردوغان قد تنفذ انقلابًا عسكريًا في أي وقت.

تم عقد اجتماع مع أردوغان لبحث الأمر، وبدأ الروس والصينيون في دعمه. من ضمن النصائح التي قُدمت له كانت إنشاء شركات أمنية خاصة بأسماء مدنية، لكنها في الحقيقة كانت قوات عسكرية خاصة وعالية التدريب تتبع لأردوغان. (ظهرت هذه القوات فعلا على شاشات التلفاز أثناء بث مشاهد التصدي للانقلاب العسكري).

في تلك الفترة، كان الجيش التركي يتبع بشكل شبه كامل للولايات المتحدة، وكان يتحكم بالجغرافيا التركية، وخاصة مضيق البوسفور الذي كان كلمة السر.

فشل الانقلاب العسكري التركي، وتم تنظيف الجيش من العناصر الموالية للأمريكان ( جيش السيسي حاليًا). فرح الروس بالوضع الجديد وتحالفوا مع "تركيا الجديدة" (مصطلح استخدمه القادة الأتراك بعد فشل الانقلاب خصوصا عندما يخاطبون الغرب)، مما سمح لهم بالمرور من البوسفور والدردنيل بسهولة وأمان، سواء في السلم أو الحرب.

تم الاتفاق مع الأتراك على حفر قناة إسطنبول الجديدة، التي لا تخضع لاتفاقيات مضيق البوسفور،(جن جنون المعارضة التركية المرتهنة للخارج عندما علمو بأمر هذه القناة... راجع النت) مما سيسرع مرور الأساطيل العسكرية الروسية بشكل كبير جدًا. بفضل هذا التحالف، تمكن الروس من التمركز في شرق ليبيا. (ملاحظة: أثناء سقوط القذافي، أرادت روسيا دعمه لكنها لم تستطع بسبب عدم ضمان الخروج الآمن من البوسفور والدردنيل. حتى لو سمحوا لهم بالمرور، لم يكن هناك ضمان بعدم قصفهم أو حصارهم في بحر مرمرة).

لذلك، فإن الأسباب الاستراتيجية لوجود إيران على مدار التاريخ انتهت ولم تعد ذات قيمة، وحان الوقت للتخلص من هذا النظام العفن بعد القضاء فعليًا على أذرعه في المنطقة. قد يشمل التقسيم المحتمل حصول الأذريين على جزء من الأرض، لتصبح أذربيجان دولة مطلة على الخليج.

الهدف الاستراتيجي لوجود إيران حاليًا انتهى تقريبًا، وانتقل الثقل إلى تركيا، التي استفادت من الصراع العالمي ووظفته لصالحها. تعاملت تركيا مع أطراف الصراع بمصداقية، بعكس الإيرانيين (كما أشار بوتين بقوله: "الرئيس التركي رجل يحترم كلمته ولا يلعب بذيله".) الثقة التي حصل عليها أردوغان من الروس والصينيين جعلتهم يدعمون قراراته في حرب أرمينيا وسوريا.

كلمة السر: بعد انضمام تركيا إلى الحلف الجديد وكسبها ثقتهم، أصبح من الضروري القضاء على النظام الإيراني، لأنه نظام لا عهد له ولا ذمة، بل بات يشكل خطرًا على الروس والحلف. فلو تمكنت أمريكا من تأمين الإمدادات لإيران، لتمكن النظام الإيراني من تهديد الروس والأتراك مجددًا. لذلك، من الأفضل استبدال النظام الحالي بنظام علماني أكثر عقلانية.

أيضا يمكن القول أن نفس هذه الأسباب سوف تؤدي إلى تفكك أنظمة أخرى في المنطقة، وسأتحدث عنها لاحقًا.

لقد انتهت صلاحية من يزعمون أنهم "أصحاب أهل البيت" أولئك الذين يتأرجحون قليلاً مع الكرملين وقليلاً مع أهل البيت الأبيض.

والله أعلم... يتبع.

0