ما زالت المقاومة الفلسطينية قادرة على الحفاظ على قوتها رغم الاعتداءات المستمرة، وهو ما أكده حتى المسؤولون الإسرائيليون الذين اعترفوا بقدرة حماس على تجديد قوتها الصاروخية والبشرية (هل تغير الداعم؟). وأشار بعض قادة الاحتلال إلى أن وجودهم في غزة بلا جدوى سوى زيادة عدد القتلى (المستنقع الغزي الذي تكلمت عنه سابقًا). وفي سياق ذلك، بدأت إسرائيل تعلن عن إنهاء مشاريعها العسكرية في مناطق مثل جباليا، مع تلميحات للانسحاب. تلك التطورات تؤكد قدرة المقاومة على الصمود والرد بقوة، مما يُبقي الاحتلال في حالة من الإرباك والتردد.
المشكلة أن الكيان لا يمكنه الانسحاب بشكل فردي، إذ سوف تلحقه قوى المقاومة وتصطاده بشكل دائم وتنقل المعركة لخارج غزة. وهذا أحد أسباب إصرار الكيان على التوصل لاتفاق مع غزة يضمن له الخروج الآمن.
وسط هذا السياق، يستهدف الاحتلال المدنيين بشكل ممنهج، حيث لم يكتفِ بالضربات الجوية، بل وصل الأمر إلى حرق المستشفيات. هذه الممارسات تعكس فشل الاحتلال في تحقيق أهدافه العسكرية، ما يدفعه إلى الانتقام من الأبرياء.
الاحتلال يحظى بدعم أمريكي كبير، حيث يُعتبر الحامي الرئيسي له في مواجهة الإدانات الدولية. الإعلام الغربي بدأ في تسليط الضوء على هذه الجرائم، وكأنه يمهد للتخلي عن دعم إسرائيل بحجة أنها فقدت طابعها "الديمقراطي". أي بكلام آخر، شيطنة الكيان أو بكلام آخر تفكيك الكيان.
الإعلام الغربي كان دائمًا يروج لإسرائيل كمنارة للديمقراطية في الشرق الأوسط. ومع استمرار الجرائم، يعمل الآن على تبرير التخلي عن دعمها أمام الشعوب الغربية، مُبرزًا أن الإدارة الإسرائيلية أصبحت متطرفة وتخلت عن الديمقراطية لصالح الحروب والإبادة.
الرادع الجديد:
كان الاتفاق يقضي بدعم حرب غزة من جنوب لبنان، لكن إيران غدرت كعادتها ولم تأمر حزبها بالتدخل الحقيقي. غضب الحلف الشرقي من هذا الغدر، وقامت روسيا باغتيال الرئيس الإيراني والقضاء على حزبه في لبنان. ليس انتقامًا لغزة، بل للحفاظ على التوازنات الاستراتيجية، لأن ما قامت به إيران يعتبر تهديدًا مباشرًا للأمن القومي الروسي.
طيلة الفترة الماضية، كانت إيران تقنع الحلف الشرقي بأنها ما زالت ذلك الحليف الذي يمكن الاعتماد عليه، خاصة في سوريا ومع بشار تحديدًا. لكن الخيانة الأخيرة عجّلت بطردها وطرد بشار من سوريا لصالح القوى الجديدة المدعومة تركيًا.
الغلطة الإيرانية لا تُغتفر. الحرب مشتعلة في غزة وأوكرانيا وليبيا، والوضع خطير جدًا ولا يحتمل أي أخطاء أو غدر. حقيقةً، أنا مستغرب من شدة غباء محور الملالي! فقد تلاعب بالأمن الروسي في أصعب وأحلك الأوقات، فكانت النتيجة القضاء عليه.
نفس السبب الذي قضى على محور الممانعة هو الذي أنشأ محور الردع السوري الجديد بقيادة الشرع. لذلك يُعتبر رجل المنطقة الجديد وشريكًا استراتيجيًا للروس والأتراك.
تلعب القوى الدولية دورًا رئيسيًا في تحديد مسار الصراع. فالحوثيون في اليمن أصبحوا الآن تحت تأثير الروس بدلًا من إيران، وظهرت لديهم مؤخرًا أسلحة مضادة للطيران متطورة. وهم يشكلون عاملًا إضافيًا في المشهد.
روسيا، بدورها، تسعى للحفاظ على مصالحها الاستراتيجية في الشرق الأوسط، معتبرة أن هزيمة غزة تعني تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي في شرق البحر المتوسط.
تسببت عمليات المقاومة في إرهاق الجنود الإسرائيليين نفسيًا، حيث انتشرت حالات الهلع والاكتئاب في صفوفهم. العديد منهم يسعون لتجنب العودة إلى الميدان بادعاء الأمراض النفسية، ما يعكس الأثر العميق الذي تركته المقاومة على معنويات الجيش.
المشهد الدولي مليء بالتعقيدات، حيث تسعى كل قوة لتحقيق مكاسب على حساب القضية الفلسطينية. الولايات المتحدة تواصل دعمها غير المشروط لإسرائيل، بينما تسعى روسيا للحفاظ على توازن القوى بما يضمن مصالحها ومصالح حلفها الاستراتيجية في المنطقة.
الصراع في غزة هو انعكاس للصراع الأكبر بين القوى الدولية، حيث تُستخدم الأرض الفلسطينية كمنصة لتحقيق أجندات أوسع. المقاومة الفلسطينية أثبتت أنها قادرة على الصمود ومواجهة واحدة من أقوى الآلات العسكرية في العالم، مما يضيف بُعدًا جديدًا للصراع يعكس شجاعة الشعب الفلسطيني وتصميمه على نيل حقوقه.
والله أعلم. يتبع...
